up ad

جواز الشباب : فشل حكومي متكرر في تلبية حاجات الشباب المغربي

✍🏻 ذ: محمد قويسح

من جديد، تأتي الحكومة المغربية بما يسمى “جواز الشباب” كخدمة تروج لها على أنها إنجاز مهم لصالح فئة الشباب في بلادنا. ولكن، كما جرت العادة مع سياسات الحكومات السابقة، فإن المضمون الفعلي وراء هذه المبادرة يختلف تمامًا عما يتم تسويقه إعلاميًا. فبينما كان يُفترض أن يكون جواز الشباب حلاً للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الشباب في المغرب، فإن الواقع يعكس فشلًا ذريعا في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

أول شيء يلفت الانتباه في جواز الشباب هو شرط الاستفادة منه الذي حصره بين الفئة العمرية من 16 إلى 30 سنة. إذ يبدو أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل التي أصدرت هذا القرار، قد قررت تجاهل آلاف الشباب الذين تجاوزوا الثلاثين عامًا ويعانون من قلة الفرص، البطالة، وعدم التوظيف في ظل اقتصاد متردٍ. ألا يكفي أن هؤلاء الشباب قد تم تجاهلهم مسبقًا في السياسات العامة؟ الآن، تأتي الحكومة لتؤكد على أنهم غير ذوي أهمية. فهل يعقل أن يتم إقصاء فئة تعيش في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية، والتي تحتاج إلى فرص أكثر من غيرها؟ في الواقع، كان من الأجدر بالحكومة أن توسع دائرة الاستفادة لتشمل جميع الشباب، وليس فقط تلك الفئة التي يراها البعض في سن “النضج”، بينما في الواقع هم أكثر تضررًا من سياسات الحكومة الليبرالية المتبعة.

ما لا يمكن تجاهله هنا هو ارتباط هذه السياسة بتوجه الحكومة الليبرالي الذي يعلي من شأن المصلحة الاقتصادية على حساب الإنسان. هذه الرؤية البراغماتية، المستلهمة من فلسفة “الانتاج أولاً” في المصانع، تركز بشكل غير مباشر على تلبية احتياجات السوق دون النظر إلى القيم الإنسانية والمجتمعية. فكل شيء في هذه الحكومة يتم قياسه عبر مقياس الإنتاجية، وليس رفاهية المواطن. الشباب، الذين هم عماد المستقبل، يُنظر إليهم في هذه السياسات كـ “قوى عاملة” ينبغي توجيهها في الاتجاه الذي يخدم السوق والمصالح الاقتصادية. في هذا السياق، يصبح جواز الشباب مجرد أداة لرفع مستوى الاستهلاك في المناطق الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء، وليس أكثر من خطوة صغيرة في برنامج غير واضح المعالم لخلق مجتمع عادل ومتوازن.

لكن الأخطر في هذه الخدمة هو تركيز مزايا جواز الشباب في مناطق بعينها، ولا سيما في المركز الحضري للمغرب. فبينما يتم الترويج للجواز في مدن مثل الرباط والدار البيضاء، نرى أن المناطق النائية والبعيدة، التي يعاني فيها الشباب من عزلة اقتصادية واجتماعية خانقة، يتم تجاهلها تمامًا. هذه السياسات تظهر بشكل جلي غياب العدالة المجالية في توزيع الموارد والفرص، وتؤكد مرة أخرى أن الحكومة غير قادرة على تحقيق توازن بين المركز
والهامش.

في حين أن السياسات التنموية ينبغي أن تركز على تحسين أوضاع الشباب في جميع المناطق، نجد أن الحكومة تواصل انتهاج سياسات تساهم في تعزيز الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق النائية. فالشباب في المغرب العميق لا يجدون لا فرصًا ولا دعمًا يذكر، ما يضطرهم إلى الهجرة من أجل تحقيق أبسط متطلبات الحياة.

إن جواز الشباب، الذي يقتصر على فئة معينة وفي مناطق محدودة، ما هو إلا إشارة واضحة على فشل الحكومة في تلبية احتياجات الشباب المغربي. يجب أن يدرك المسؤولون أن هذه السياسات لا تعكس إلا مصالح ضيقة، تخدم الطبقات المهيمنة على حساب الأكثر حاجة.

إن الفلسفة البراغماتية التي تتبعها الحكومة، والتي تضع الإنتاج والاقتصاد في مقدمة أولوياتها على حساب الإنسان والمجتمع، لن تؤدي إلا إلى المزيد من الإقصاء والتهميش. وإن كانت الحكومة تهدف فعلاً إلى تحسين أوضاع الشباب، فيجب عليها إعادة النظر في جواز الشباب وتوسيعه ليشمل جميع الفئات العمرية والمناطق الجغرافية، والعمل على ضمان العدالة المجالية التي تُعطي لكل شاب في المغرب، في المركز والهامش، فرصة للمشاركة في التنمية.

postquare ads

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *