up ad

بين التوقف الشامل للمحامين واحداث الهجرة الجماعية… اي ضمانات لحق الدفاع؟

ليست المصادفة وحدها هي التي جمعت بين حدثين كبيرين يعيشه المغرب هذه الايام؛ فمن جهة، يشهد قطاع المحاماة توقفا شاملا عن اداء مهامه احتجاجا على مشروع قانون المهنة، الذي يعتبره جسم الدفاع مساسا باستقلالية المحاماة وضماناتها الدستورية، ومن جهة اخرى، عرفت بلادنا خلال اليومين الاخيرين محاولات هجرة جماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، في مشهد يبعث على كثير من القلق والتساؤل.

ان الهجرة، في جوهرها، ليست مجرد واقعة امنية، بل هي في كثير من الاحيان انعكاس لاختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة؛ من تراجع القدرة الشرائية، واستمرار ازمة التعليم والصحة، واتساع دائرة البطالة والهشاشة، الى تنامي الاحساس بفقدان الامل لدى فئات واسعة من الشباب. كما ان تنامي ظواهر الريع، وتضارب المصالح، وتراجع الثقة في الوعود السياسية، كلها عوامل لا يمكن اغفالها عند قراءة هذه الاحداث.

لكن، بعيدا عن الاسباب، فان ما يفرض نفسه اليوم هو سؤال قانوني ودستوري ملح: كيف سيتم تدبير ملفات الاشخاص الذين تم توقيفهم على خلفية هذه الاحداث، في ظل التوقف الشامل الذي تخوضه هيئة الدفاع؟

ان هذا السؤال لا يستهدف مؤسسات العدالة، ولا يشكك في استقلال القضاء، وانما يهدف الى التنبيه الى اهمية احترام الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها الحق في الدفاع، باعتباره حقا اصيلا للمتقاضي وليس امتيازا للمحامي.

ويزداد هذا التخوف كلما استحضرنا القضايا التي بتت فيها غرفة الجنايات الاستئنافية بمدينة العيون في غياب الدفاع، وهو ما اثار حينها نقاشا قانونيا وحقوقيا واسعا حول مدى انسجام ذلك مع الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة والالتزامات الدولية للمملكة.

اليوم، نحن امام لحظة تستوجب تغليب الحكمة على منطق لي الذراع. فمشروع قانون مهنة المحاماة لا ينبغي ان يتحول الى سبب لتعطيل مرفق العدالة او للمساس بحقوق المتقاضين. كما ان الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعا عن فئة مهنية، بل هو دفاع عن احد اعمدة العدالة ودولة الحق والقانون.

ان المسؤولية الوطنية تقتضي من المؤسسة التشريعية والحكومة اعادة النظر في هذا المشروع، وتعليق مساره التشريعي، وفتح حوار مسؤول وجاد مع ممثلي المهنة، لان الاصلاح الحقيقي لا يفرض بالارادة المنفردة، وانما يبنى بالتوافق، خاصة عندما يتعلق الامر بمهنة جعلها الدستور شريكا اساسيا في تحقيق العدالة.

ويبقى السؤال معلقا:

هل سيتم تدبير ملفات معتقلي احداث الهجرة بما يكفل حقهم الكامل في الدفاع، ام اننا سنجد انفسنا امام مشاهد تعيد الى الواجهة نقاشا كان يفترض ان يكون قد حسم لصالح الدستور والمواثيق الدولية؟

ان قوة الدولة لا تقاس بعدد الاعتقالات، وانما بقدرتها على ضمان محاكمة عادلة لكل متقاض، حتى في اصعب الظروف. فاستقلال القضاء لا يكتمل الا باستقلال الدفاع، والعدالة لا تستقيم الا بحضور جناحيها معا.

postquare ads

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *